الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني
181
مناهل العرفان في علوم القرآن
( ثانيتها ) تيسير حفظ القرآن والمحافظة عليه ، لأن كل ما احتواه من تلك الوجوه المستلزمة للخفاء ، دال على معان كثيرة زائدة على ما يستفاد من أصل الكلام ، ولو عبر عن هذه المعاني الثانوية الكثيرة بألفاظ ، لخرج القرآن في مجلدات واسعة ضخمة ، يتعذر معها حفظه والمحافظة عليه . « قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي . وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَداً » . وكذلك يدرك القارئ لدقة القرآن وعلو أسلوبه روعة ولذة تغريه على قراءته ، وتشجعه على استظهاره وحفظه . ( ثالثتها ) ما ذكره الفخر الرازي بقوله : ( متى كانت المتشابهات موجودة كان الوصول إلى الحق أصعب وأشق . وزيادة المشقة توجب مزيد الثواب . قال تعالى أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ) . ( رابعتها ) ما ذكره الفخر أيضا بقوله : ( باشتمال القرآن على المحكم والمتشابه ، يضطر الناظر فيه إلى تحصيل علوم كثيرة ، مثل اللغة والنحو وأصول الفقه مما يعينه على النظر والاستدلال . فكان وجود المتشابه سببا في تحصيل علوم كثيرة ) . ( خامستها ) ما ذكره أيضا بقوله : ( باشتمال القرآن على المحكم والمتشابه يضطر الناظر فيه إلى الاستعانة بالأدلة العقلية ، فيتخلص من ظلمة التقليد . وفي ذلك تنويه بشأن العقل والتعويل عليه ، ولو كان كله محكما لما احتاج إلى الدلائل العقلية ، ولظل العقل مهملا ) اه . ملاحظة : يمكن اعتبار بعض هذه الحكم في النوع الأول ، كما يمكن اعتبار بعض حكم النوع الأول هنا ، لكن بشيء من التكليف . ولقد راعينا ما يجب أن تراعيه من أن بعض هذه الحكم لا تتأتى إلا في أنواع خاصة من المتشابهات ، ولكن المجموع يتحقق في المجموع ، وذلك كاف في صحة هذا العرض ، فاكتف أنت به ولاحظه ، وباللّه تعالى التوفيق .